ژان باتيست تاورنيه

39

رحلة الفرنسي تافرنيية إلى العراق

وفي اليوم الثامن والعشرين ، سرنا ثماني ساعات ، فبلغنا نصيبين المسماة قديما نصيبس ( Nisibis ) . فإذا سرت ساعتين أو ثلاثا في هذا الطريق ، رأيت على مقربة منه نوعا من المناسك ، وهو غرفة صغيرة محاطة بسور ، بابها شديد الانخفاض وعلى من يدخلها أن يزحف على بطنه . وقد ذهب ثلاثة أو أربعة من اليهود لأداء عبادتهم في هذا المنسك لاعتقادهم أنه المكان الذي دفن فيه النبي أليشع . والأرض بين قوش حصار ونصيبين سهل فسيح ، لا تجد فيه عشبا خلال الأيام الأولى من السفر ، ما سوى كزبرة الثعلب . وفي اليوم التالي ، ترى الحقول مغطاة بأوراق كبيرة ثخينة جذورها بصلية ، كبر الواحد كالبيضة ، كما تشاهد كثيرا من الأزهار الصفر والحمر والبنفسجية ، والسوسن بألوانه المتعددة ، وشقائق النعمان والنرجس الأصفر . ومع ذلك ، فإن ما بين النهرين بوجه عام أرض قاحلة ، وما يمكن تحسينه منها بالفن والمثابرة قليل . ونصيبين الحالية ليست إلا ظلالا لنصيبين القديمة . وهي اليوم عبارة عن قرية كبيرة يسكنها النصارى من الأرمن والنساطرة . وقد نزلت قافلتنا وراءها قليلا ، في رحبة كنيسة ملاصقة لكنيسة أرمنية . وفي اليوم الثاني ، لما سمعت الناس يرتلون ، ذهبت إلى الكنيسة مع الراهبين الكبوشيين ، فرأيت مطرانا أرمنيا بتاجه وصولجانه الخشبي ، يحف به عدد من الكهنة وحشد كبير من المصلين . وفي ختام الصلاة ، تبادلنا التحيات ، ثم أنزلنا المطران إلى مصلى تحت الكنيسة ، أرانا فيه ضريح القديس يعقوب مطران نصيبين « 1 » . وفي صحن الكنيسة رخامة ثخنها قدم وارتفاقها ست أقدام ، فوقها عدة شموع من العسل

--> ( 1 ) من أشهر رجال الكنسية الكلدانية في المائة الرابعة للميلاد . ولد في نصيبين . وقد صنف بالآرمية كتبا ورسائل ضاع جميعها . وصار أسقفا على نصيبين سنة 309 م ، وتوفي سنة 338 م ودفن فيها ، في الكنيسة التي ابتناها بعد ذلك أحد ملوك الروم على قبره ، ولعلها الكنيسة التي بناها هو في حياته سنة 320 م ، ثم جددت بعد موته . إن قبره الذي شاهده تافرنييه في هذه الكنيسة قبل ثلاثمائة سنة ، ما زالت آثاره تشاهد إلى اليوم .